السيد محمد تقي المدرسي

180

من هدى القرآن

وفي هذا المحور تنتظم آيات الفصل الأول من سورة الحاقة في سياق التأكيد على حقيقة الجزاء في الحياة ، كقضية تشريعية وتكوينية ، تتصل بالحق اتصالا متينا ، ففي مطلعها وحتى الآية الثانية عشرة يبين لنا صورا من الجزاء الذي حل بالأقوام السالفة نتيجة تكذيبهم بالحق واتباعهم الباطل ، بوصفها دلالات واقعية على هذه السنة الإلهية ، وكآيات هادية إلى الجزاء الأكبر في الآخرة . ولكن تبقى ( الواقعة ) أجلى آيات الجزاء والحق معا بالنسبة للإنسان ، حيث ينفخ في الصور ، وتحدث التحولات الكونية الهائلة والمفزعة ، ويتجلَّى الملائكة المقربون يحملون عرش الله ، ويُعرض يومئذ الناس بكيانهم وأعمالهم لا تخفى منهم خافية ، ولعله لذلك جاءت تسمية القيامة في هذه السورة بالحاقة . . باعتبارها ذات وجهين : يتصل الأول بالجزاء التي هي عرصته وأعظم آياته ، ويتصل الثاني بالحق ، إذ هي جزء لا ينفك من أعظم حقائق الوجود ، ولقد سماها ربنا في نهاية الدرس بالواقعة للمبالغة في التأكيد على أنها حقيقة واقعية لا بد أن تقع ، ومن ثم فإن التكذيب بها لا ينفيها ولا يمنع وقوعها أو حتى يغير أجلها . وتبقى الآية « لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ » محورا في هذا السياق بل في سياق السورة كلها ، إذ لا تدرك غور الآيات بما تتضمنه الحقائق إلا تلك القلوب الزاكية التي صيَّرها الإيمان والعلم أذنا لوحي الله وآياته . بينات من الآيات : [ 1 - 3 ] إن الإيمان بالآخرة - كما أكدنا مرارا - حجر الأساس في الإيمان بسائر القيم والمبادئ ، ولذلك لا تكاد تخلو سورة قرآنية من التأكيد عليها ، بل وإن الحديث بشأنها ترهيبا وترغيبا أصبح السمة الأساسية للجزأين الأخيرين ( تبارك ، وعم ) المكيين في الأغلب عدا سور ( الإنسان ، الزلزلة ، والنصر ) ، وإذ يوليها الرب هذا الاهتمام فلعلمه تعالى بموقعها في بناء شخصية الإنسان . والذي يتتبع حديث القرآن عن الآخرة يجد أنه عبَّر عنها بعدة أسماء تختلف في ظاهرها وبعض مضامينها ، كأن يكون كل اسم يعبر عن جانب أو مرحلة زمنية منها ، إلا أن هدفها واحد لا يتجزأ ، وهو زرع الإيمان بالآخرة وتعميقه في النفوس لتتبصر من خلالها بسائر الحقائق . وهنا تطالعنا أولى الآيات باسم من أسماء القيامة وعبر بلاغة فائقة ، تهتز لها القلوب ، وتقشعر منها جلود المؤمنين « الْحَاقَّةُ » ، وللمفسرين أقوال كثيرة في معنى هذه الكلمة ، ولماذا سميت القيامة بها ؟ وأبرزها التفسيرات التالية :